تابعنا على :

خطبة : قصة عاشوراء

خطبة : قصة عاشوراء

“اما بعد”

 وفي غمرة الشعور بالإحباط الذي أصاب بعد المسلمين اليوم من جراء تتابع النكبات والشدائد , يأتي يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من هذا الشهر ,  شهر الله المحرم يأتي ليذكرنا انه لا تقف أمام قوة الله قوة, وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض انه كان عليما قديرا

ان ليوم عاشوراء قصة وحكاية , فلنتجاوز حقب التاريخ وأسوار الزمان والمكان لنقف على قصته وحكايته ونستلهم منها دروسا وعبرا تكون لنا زادا وذخرا .

فلقد رأي فرعون رؤية فسرت له , بأن هلاكه علي يد غلام يولد من بني إسرائيل فاستشاط غضبا وازداد حمقا , وأمر بذبح كل مولود ذكر.

ولكن الله تعالي يريد غير ما يريد فرعون , ويقدر غير ما يقدر الطاغية , فيعلن الله إرادته ويكشف عن تقديره , ويتحدى فرعون وهامان والجنود , لأنه سبحانه وتعالى القوي القاهر المعبود ” وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ

ويولد موسي عليه الصلاة والسلام في خضم هذه الأحداث والخطر محدق والموت محقق وتحتار أمه ويرتجف فؤادها الضعيف خوفا علي ابنها , فيوحي إليها الله جل الله في علاه “أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ” .

يالله .. انه منتهي التحدي أعلنت الطوارئ وصدرت الأوامر الأرضية بذبح المواليد وحينها تصدر الأوامر السماوية بأن يا فرعون لا تتعب نفسك بالبحث عن هذا الغلام الذي سيكون ذهاب ملكك على يديه , فهاهو بين يديك فإن كان لك كيد فاصنع ما تريد

“لا اله إلا الله “ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ“,  وإذا بفرعون نفسه يبحث لموسي عن المراضع ويأتيه بهم حتى سلمه إلي أمه “كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ “

ويتربي موسي في قصر فرعون وتحت رعايته وإشرافه وهو من يوفر له كل طلباته واحتياجاته ويشب موسي عليه الصلاة والسلام

وتتولي فصول القصه العجيبة الغريبة

وينبؤ موسي ويُرسل إلي فرعون “اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى

وموسى عليه السلام من أكثر الناس معرفة بفرعون فقد عاش معه تحت سقف واحد ولبث معه سنين , لذالك سأل الله العون “قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ “

فأجابه الله لذالك وقال له ولهارون “اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى”

 يا الله ما أرحمك سبحانك , ما أحلمك سبحانك , تريد من فرعون أن يتذكر أو يخشى تريد له الرحمة والنجاة وهو من ادعي أنه إله , فسبحانك ربنا من إله رحيم .

إنها بشرى لكل مذنب أن له ربا رحيما يغفر الذنب ويستر العيب ولا يهتك الستر ولا يؤاخذ بالجريرة , ويحب التوابين المستغفرين المنيبين

حمل موسي رسالة ربه إلى فرعون وذهب مع هارون ودار بينهم ما دار حتى قال فرعون بعدما رأي المعجزات “إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ”

فأشارت عليه بطانة السوق أن يجمع السحرة لمقابلة موسي فخيب الله سعيهم ورد كيدهم “فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ”

فجن جنون فرعون وأخذ يتوعد ويهدد , لكن بشاشة الإيمان إذا خالطت القلب لن يعبأ حينها بأي تهديد قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ .

لا ضير في التعذيب , لا ضير في الاستشهاد , لا ضير في تقطيع الأيد والأرجل .

وتتوالى فصول القصة المعبرة المؤثرة , وهنالك وعلي ساحل البحر يشتدد الكرب وتطير العقول بعد أن أوحي الله إلي موسي “وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ”

 فيتراءى الجمعان وينكشف الفريقان ويبتلى أهل الإيمان فيقبل موسي” عليه السلام “بثبات , علي جبينه شمم اليقين .

وفي تلك الساعة الرهيبة تصل الجنود الغاشمة والحشود الظالمة بقيادة فرعون الطاغية الذي يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار بئس الورد المورود ويتبع في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود

لقد كان قائدا لهم بالكفر والضلال وهو قائد لهم في داء النكال والاغلال النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ .

وعندما حانت ساعة الصفر قال أصحاب موسي وقد زلزلهم الخوف إنا لمدركون وحين أذا يطلق موسي” عليه السلام “كلمة التوحيد التي تقطع كل الأسباب ولا تبقي الا سبب ربي تبارك وتعالى “كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ”

وتقدم إلى المقدمة ونظر إلي البحر وأمواجه المتراكمة فلما تفاقم الأمر وانقطعت الحيل جاء الفرج من الجليل جاء الفرج من العظيم” سبحانه ” فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ” .

سبحانك ربنا ماأعظمك , “وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ”,  لقد أصبح ماء البحر قائما كالجبال , فجاز موسي ببني اسرائيل وانحدروا مسرعين مستبشرين , قد ولدوا ميلادا جديدا وقد شاهدوا ما يحير الناظرين ويثبت قلوب المؤمنين .

ولما جاوز أخرهم ولم يتخلف أحد منهم , أراد موسي أن يضرب البحر بعصاه , ليرجع كما كان, فأمره ربه أن يدعه علي حاله “وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ”, أي اتركه ساكنا فلما تركه بأمر الله وانتهي فرعون إليه ودخل إليه وتبعه قومه عن آخرهم واستكمل في البحر , أمر الله كلميه موسي” عليه السلام “فضرب البحر بعصاه فارتفع عليهم وعاد بحرا هائجا فسحقهم وابتلعهم ولم ينج منهم أحد , هذا جزاء من تكبر وجحد وعاند الواحد الأحد .إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ “.

إن هذه الملحمة تؤكد أن نور الله غالب مهما حاول المجرمون طمس معالمه , فلا ينبغي أبدا أن يخالج قلوب المؤمنين أدني شك بوعد الله , ولا يخدعنهم أو يغرنهم تقلب الكافرين في البلاد , فإن الصراع مهما امتد والليل مهما اسود فإن العاقبة للمتقين

أن يوم عاشوراء يوم عز ونصر وفرح وبشر , فلماذا يصر مجوس هذه الأمة على تلطيخه باللونين الأسود والأحمر ؟

لماذا يلطم الرافضة فيهم خدودهم ويخدشون وجوههم ورؤوسهم , ويجتمعون فيه للبكاء والعويل والنياحة والصياح ؟ , وربما سالت منهم الدماء واختلطت الرجال بالنساء وكانت سببا في الفحشاء .

قال ابن رجب رحمه الله عن يوم عاشوراء ان اتخاذه مأتما كما تفعله الرافضة لأجل مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب انه يحسن صنعا

 أما بعد

فإن المشروع في شهر الله المحرم الإكثار من صيام النافلة قال حبيبكم” صلي الله عليه وسلم “أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم” رواه مسلم “

وكذلك صيام يوم عاشوراء وهو من المستحبات , فقد قال ابن عباس”رضي الله عنهما” ما رأيت النبي “صلى الله عليه وسلم” يتحرى صيام يوم فضله علي غيره إلا هذا اليوم ” أي يوم عاشوراء

وعن أبي قتادة أن رجلا سأل النبي “صلي الله عليه وسلم” عن صيام يوم عاشوراء قال احتسب علي الله أن يكفر السنة التي قبله .

وقد ذكر العلماء ان ذلك للصغائر

قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله ” وتكثير الطهارة والصلاة وصيام رمضان وعرفة وعاشوراء للصغائر “

وأما الحكمة من صيامه فعن عباس رضي الله عنهما ” قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم” المدينة فرأي اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال ما هذا قالوا هذا يوم صالح هذا يوم نجي الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسي قال فأنا أحق بموسي منكم فصامه وأمر بصيامه “رواه الشيخان”

ولصيامه مراتب ذكره أبن القيم رحمه الله في زاد الميعاد :

  • المرتبة الأولى صوم التاسع والعاشر والحادي عشر وهذا أكملها
  • الثانية صوم التاسع والعاشر مخالفة لأهل الكتاب
  • الثالثة صوم العاشر وحده

ولقد كان الصحابة “رضي الله عنهم” يحرصون علي صيامه أشد الحرص , فكانوا يُصومون صبيانهم يوم عاشوراء كما في حديث الربيع بنت معوذ عند مسلم , وكان بعض السلف يحرص علي صيامه حتى في السفر .

وأخيرا وليس آخرا

هناك أحاديث تروى في يوم عاشوراء لا صحة ولا أصل لها , فمن تلك الأحاديث المكذوبة ما ذكر أن في يوم عاشوراء كانت توبة آدم واستواء سفينة نوح على الجودي ورد يوسف علي يعقوب وفداء إسماعيل بالكبش وكسوف الشمس بمقتل الحسين وظهور لون الدم بالأشجار والأحجار وحديث من وسع علي أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة وحديث من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام

كل تلك  الأحاديث مكذوبة عن النبي “صلى الله عليه وسلم”و لا أصل لها ولا يصح منها شيء ونحن مأمورون بالإتباع لا بالابتداع .

 صلي وسلم على رسول الله

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حقوق الموقع © لموقع الشيخ عبدالرحمن بن علي الشهري