تابعنا على :

إلى الشباب

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي نوَّر بصائر المؤمنين فوفقهم للأعمال الصالحات، وثبَّتهم على الإيمان حتى الممات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مقر بربوبيته شاهد بوحدانيته منقاد إليه لمحبته، معترف بنعمته، مؤمل لعفوه ورحمته، طامع في مغفرته، فهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة.

 

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله للإيمان مناديًا وللجنة داعيًا وإلى صراطه المستقيم، هاديًا فأنقذ الله به أقوامًا من الشرك والجاهلية إلى نور التوحيد والملة الحنيفية، وتربى على يديه أئمة دعوا إلى الله بالحكمة الحسنة، فأحيى بهم الله القلوب، وأنار بهم السبل، اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمد وآله، وارض اللهم عن أصحابه المهتدين واجمعنا بهم في جنات النعيم، آمين..

 

أما بعد: فإن الشباب أهم مرحلة في حياة الإنسان فهي مرحلة القوة والحيوية والنشاط، قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً..) [الروم:54].

 

والسؤال يوم القيامة يأتي عن مرحلة الشباب خصيصًا، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع”، وذكر منها “وعن شبابه فما أبلاه”.

 

والشباب أكثر الناس استجابة للخير وأسرعهم تأثرًا لداعي الحق، قال تعالى: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) [يونس: 83]، قال ابن كثير -رحمه الله-: “لم يؤمن لموسى مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون من الذرية، وهم الشباب”.

 

والشباب هم الذين يحملون همّ الدعوة ويبلِّغون للناس الرسالة، قال تعالى: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) [الأنبياء:60]، وقال عن يحيى (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مريم: 12].

 

وفي كل جمعة يقرأ المسلم سورة الكهف وأصحاب الكهف كانوا شبابًا (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) [الكهف: 10]، (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) [الكهف: 13] وعامة من أسلم أول الإسلام كانوا شبابًا، عمر -رضي الله عنه- أسلم وهو لم يبلغ الثلاثين، وسعد بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب، وعبدالرحمن بن عوف، ومصعب بن عمير، وسعيد بن زيد، والأرقم بن أبي الأرقم، وعمار بن ياسر -رضي الله عنهم أجمعين- أسلموا وهم في سن الشباب، وعلى أيديهم تحقق النصر والعزة والتمكين، وواصل المسيرة من بعدهم جيلٌ عظيم من الشباب مصَّروا الأمصار، وفتحوا البلاد، ودخل الناس على أيديهم في دين رب العباد.

 

فهذا عقبةُ بن نافع ومحمد بن القاسم، وقتيبة بن مسلم وغيرهم من أبطال المسلمين كلهم كانوا شبابًا، والشباب هم من يقفون أمام الفتن، ويدفعون عند نزولها البلايا والمحن، فأعظم فتنة تمر على البشرية فتنة المسيح الدجال ومن يقف له ويبين كذبَه، شابٌّ من أهل المدينة كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

لكن ومع كل هذه المزايا للشباب إلا أن حال بعض شبابنا -وأقول البعض، هداهم الله وردهم إليه ردًّا جميلاً- حالٌ مخزٍ وواقعهم واقع مزرٍ، يرى الناظر فيه ضياعًا ويجد جهلاً ويرى تركًا للصلوات، واتباعًا للشهوات، وإغراقًا في الملذات.

 

إنك تجد عند بعض شبابنا اليوم شكًّا في المسلَّمات؛ قد اختلطت عليهم الأوراق، وانقلبت المفاهيم، فأصبحت الاهتمامات بقضايا ثانوية، وصارت الطموحات عادية، بعضهم يرى المجد في رنة نغم، والبطولة في ركلة قدم، والسعادة في هزة جسم.

 

بعض شبابنا تجرد من لباس التقوى ليلبس ما يزري به من ملبوسات أهل الكفر والضلال، يحاكيهم في حركاتهم، ويشابههم في ملابسهم، ويشاركهم في ترهاتهم وسخافاتهم، بل أصبح البعض يكره الإسلام وشرائع الدين، ويعجب بالكفرة والملحدين، ويفتن بحضارة الغرب الضالين.

 

وإن زيارة واحدة للأسواق وأماكن تجمع الشباب تنبئك عن مدى ما وصل إليه شبابنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ حركات ساقطة، وكلمات بذيئة، وملابس سيئة، وتقليعات عجيبة فلا حياء يردعهم، ولا دين يمنعهم، ولا شك ولا ريب أن من عاش على هذا الانفلات سيظهر أثره عليه عند الممات.

 

من عاش على هذا الانفلات سيظهر أثره عليه عن الممات، وسلوا مغسلي الأموات، وأكثر من يموت اليوم من الشباب الذين ألهتهم الأموال، فقصروا في الأعمال حتى حلت بهم الآجال.

 

ستسمعون من المغسلين ما يحزنكم ويدمي قلوبكم، ويهيج مدامعكم، هذا شاب يقود سيارته بسرعة جنونية فينفجر الإطار وتنقلب السيارة، وإذا بهذا الشاب الذي كان يؤمل الآمال، وكان يؤمل أن يعيش ويعيش إذا به في لحظة ينازع الموت قد اختلطت الدماء بالدموع وتمازجت الجراح بالحسرات يأتيه شخص ويقول له: قل لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله، فيا ترى بما أجاب ذلكم الشاب؟

 

رفع هذا الشاب رأسه ونظر إلى الرجل، وقال له: ما صليت، ولا أريد أصلي روح، ثم مات على هذه الحال.

 

لا إله إلا الله، نعوذ بالله من سوء المآل، من عاش على شيء مات عليه، سُنة إلهية لا تتغير ولا تتبدل، اسمع أيها الشاب شاب آخر حصل له حادث وانطبقت عليه السيارة بعد أن انقلبت واشتعلت النار فيه فيأتيه الناس وقد احترق نصف جسمه ويقولون له قل: “لا إله إلا الله” فيصرخ بأعلى صوته ويقول عن نفسه : “هو في سقر، هو في سقر، هو في سقر” حتى أتت النار على جسمه واحترق.

اللهم أحسن ختامنا.. اللهم أحسن ختامنا..

 

من أراد حسن الخاتمة فليحسن العمل، من أوصل شبابنا إلى هذه الدركة، ما الذي لبَّس ودلَّس عليهم حتى أخذوا بنواصيهم إلى سبل الشيطان.

 

أيها الشاب! وأنت تقف أمام المرآة لتصلح هندامك، وتنظر في حسن ثيابك وجميل ساعتك، وبهاء منظرك، وأنت كذلك هل تحصي نعم الله عليك في جسمك؟! انظر إلى قوامك وحسن منطقك، وسمعك وبصرك، وقوتك ونشاطك، وغيرك عاجز مريض كسير أو مقعد حسير، فاحمد الله على نعمه عليك، واسمُ بنفسك للمعالي واهجر المعاصي.

 

أيها الشاب! بالله عليك هل شاهدت أعمى يعاكس في الأسواق! أو ينظر إلى الأفلام الخليعة والصور المحرمة! وأنت تنظر إلى الحرام بنعمة البصر التي أنعم الله بها عليك أهذا هو شكر نعمة الله؟!

 

هل سمعت عن أصم يستمع للأغاني والموسيقى، وأنت تستمع لها بنعمة السمع التي أنعم الله بها عليك أهذا هو شكر النعمة؟!

 

قد يجد بعض الشباب لذة ومتعة في الحرام إلا أنه يخسرون ويضيعون على أنفسهم أعظم فرصة، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة”، واستمع بقلبك لهذا الحديث العجيب “فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ -هذا وهو أنعم أهل الدنيا-، فيقول: لا والله يا رب ما رأيت خيرًا قط، وما مر بي نعيم قط”.

 

سبحان الله! أين السهرات؟! أين الملذات؟! أين المتع المحرمات؟ نسيها كلها بغمسة واحدة في النار.

اللهم أعتق رقابنا من النار، اللهم أعتق رقابنا من النار ورقاب والدينا.

 

“ويؤتي بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة”، فقير أو مشلول أو لا يسمع ولا يبصر لكنه تقي نقي محافظ على دينه، مقبل على طاعة ربه، “فيصبغ صبغة في الجنة”، فيقال له وهو أشد الناس بؤسًا في الدنيا، “ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟  فيقول: لا، والله يا رب”.

 

سبحان الله.. أين الفقر والمرض؟! أين الهم والغم؟! أين البؤس؟! نسيها كلها بغمسة واحدة في الجنة، اللهم إنا نسألك الجنة إنه النعيم المقيم والفوز الكبير.

 

الحورية في الجنة قال عنها حبيبكم -صلى الله عليه وسلم-: “وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا”.

 

هذا الغطاء الذي تضعه على رأسها خير من الدنيا بقصورها وكنوزها، ونسائها وأموالها، فكيف بمن تحت الغطاء؟!

 

لا إله إلا الله.. نعيم عظيم ينتظر من جاهد نفسه ليناله عند لقاء ربه، فيا عجبًا لمن يختار نساء الأرض على نساء السماء؟!

 

أخي الشاب! تذكر أن الشباب مرحلة سوف تمر وهو غنيمة لمن اغتنمه قال حبيبك -صلى الله عليه وسلم-: “اغتنم خمسًا قبل خمس”، وذكر منها “شبابك قبل هرمك”.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم..

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله…أما بعد

 

فقد كرَّم الله الشباب وأنعم عليهم بنعم كثيرة، وحق النعم استعمالها في طاعة المنعم سبحانه، والمجاهدة في مرضاته، وإلا كانت هذه النعم نكبة عليهم وعلى مجتمعهم، وصارت مفسدة مهلكة للحرث والنسل (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم:7].

 

ومفخرة الأمم إنما تكون بصلاح شبابها وأبنائها، واستقامتهم على طاعة الله، وبذل وسعهم لخدمة دينهم ومجتمعهم، ودولتنا هذه تصل نسبة الشباب فيها إلى 69% أي: أكثر من نصف سكانها شباب.

 

وقد أنعم الله علينا في هذه الدولة بنعم لا تُحصى، والنعم إذا شُكرت قرَّت، وإذا كُفِرَت فرَّت (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) [النحل:112].

 

أخيرًا وليس آخرًا.. أيها الشاب! يا من تسمع كلماتي! أيها العاقل! أيها الحي! قوتك بانتظارك فارفع من اهتماماتك، واستقم على طاعة ربك، وقدم ما تستطيع لنصرة أمتك.

 

وأقول لأولياء الأمور: اتقوا الله، اتقوا الله وقوموا بواجبكم، وربوا أولادكم على الصفات الحميدة، قربوهم لمن يزرع فيهم الخير ويحذرهم من الشر، اجعلوا من سلف الأمة قدوة لهم، حدثوهم عنهم ما ينفعهم، جنِّبوهم قرناء السوء، وأطروهم على الحق أطرًا؛ فإنهم خطر عليهم، حذروهم من مجالستهم ومصاحبتهم؛ فإنكم مسئولون بين يدي الله عنهم.

 

قال حبيبكم محمد -صلى الله عليهم وسلم-: “كلكم راعٍ، وكل مسئول عن رعيته”.

 

وقال -صلى الله عليه وسلم- محذرًا ومنذرًا: “ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة”..

 

نعوذ بالله من ذلك.. صلوا وسلموا على رسول الله..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حقوق الموقع © لموقع الشيخ عبدالرحمن بن علي الشهري